أحمد بن عبد الله الطبري ( المحب الطبري )
187
الرياض النضرة في مناقب العشرة
ومن أدل دليل على عظيم منزلته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صنيعه في المؤاخاة كما تقدم ، فإنه صلّى اللّه عليه وسلم جعل يضم الشكل إلى الشكل يؤلف بينهما إلى أن آخى بين أبي بكر وعمر ، وادخر عليا لنفسه وخصه بذلك ، فيالها مفخرة وفضيلة ! ! وقد روي أن معاوية قال لضرار الصدائي : صف لي عليا . فقال : اعفني يا أمير المؤمنين . قال : لتصفنه . قال : أما إذ لا بد من وصفه ، كان واللّه بعيد المدى شديد القوى ، يقول فصلا ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس إلى الليل ووحشته وكان غزير العبرة طويل الفكرة ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، كان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه ، ونحن واللّه مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له ، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين ولا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ؛ وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه - وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه - قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول : يا دنيا غري غيري ، إليّ تعرضت أم إليّ تشوقت ؟ هيهات ! هيهات ! قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها فعمرك قصير وخطرك قليل - آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق ! فبكى معاوية وقال : رحم اللّه أبا حسن ، كان واللّه كذلك ؛ فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ قال حزن من ذبح واحدها في حجرها أخرجه الدولابي وأبو عمر وصاحب الصفوة . وعن الحسن بن أبي الحسن - وقد سئل عن علي بن أبي طالب - قال : كان علي واللّه سهما صائبا من مرامي اللّه على عدوه ، ورباني هذه الأمة وذا فضلها ، وذا سابقتها ، وذا قرابتها من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن بالنومة عن